ذكرى مع الأزرق

نحن شعوب مسلوبة الإرادة نخاف التعبير عن أنفسنا بسلام .. تحكمنا موروثات اجتماعية ثقيلة تحرمنا من حقنا في الأزرق!

كنت في السادسة عشر من العمر، أخطو أولى خطواتي نحو النضوج. كانت أمي منشغلة كل الوقت بمراهقتنا أنا و أخي، كانت في بحث دائم عن نجوم تضيء فكرنا، تملأ روحنا بجمال الأكوان المنطوية فينا، كانت روحي تتبلور شيئاً فشيئا بين قاعات الفنون التشكيلية و الموسيقية .. بين دفاتر المذكرات و قاعات السينما .. مسرحيات كثيرة و محاضرات أكثر ، حتى إني أجزم بأن أمي قضت ثلثي وقتها تتنقل بنا بين تلك القاعات والصالات.
يومها اختارت لى محاضرة كانت في إحدى مدرجات المركز الثقافي العربي بعنوان “ألوان الحب السبعة”
عنوان قد يحيل نبضات قلب مراهقة لكثير من الفراشات الصغيرة الراقصة المتدفقة بين خلاياها! صارت تلك الفراشات تعزف في داخلي سنفونية وردية عن فارس الأحلام والحصان الأبيض والورود المتطايرة حولي، متلهفة لسماع ما قد يقال عن الحب. أما أمي فأظنها كانت مدركة أن تلك القاعة ستفتح في روحي بوابة لعالم أوسع من الخيالات الصغيرة البسيطة لمراهقة عن الحب.

ألوان الحب.. كانت ألوان الحب في الحقيقة طاقات روحية لكل منها هالة ولون، فنحن البشر مجبولين من مستويات مختلفة منه. كان الحب هو الوقود المحرك لنا، بذرة أولى نغرسها على باب كل خياراتنا وأفعالنا في الحياة من أصغر التفاصيل إلى أعقدها. حتى إن الحب نفسه كان له سبع مستويات و أشكال مختلفة.
– المحاضر: مين منكون بحب اللون الأزرق؟
واللون الأزرق هو لون الهالة المحيطة بمركز يوجد في الحلق ويسمى “شاكرا الحلق”. وشاكرا الحلق مسؤولة عن التعبير عن النفس، التعبير عن الرغبات و العواطف. هي قدرة التواصل السليم مع الذات والآخرين
كانت المفاجئة أن اللون الأزرق هو اللون المفضل لأكثر من نصف القاعة!
-المحاضر وهو يبتسم: “لا تتفاجئوا .. تمنيت شي يوم ما أن اسأل هالسؤال وما ينتصر الأزرق! ..
كنت أسألني لماذا قد يكون الأزرق الأكثر حبا من بين الألوان؟؟ لكن الإجابة جاءت سريعة..
لأننا شعوب ينقصها الأزرق بشدة. مجتمعات منطق القوة والسلطة فيها طغى على العاطفة وعلى التعبير والتفكير الحر والشفاف حتى إن حق التعبير هذا عن العواطف والرغبات أو محاولة التفكير خارج الصندوق، قد يندرج إما تحت بند العيب وقلة الحياء، مخالفة الأعراف والتقاليد. أو يصبح خطراً وخرقاً للقوانين يحاسب عليها كل من تجرأ أن يعلي صوته قليلاً بوجه أي مسؤول.
– طبعاً هنا تكلم باقتضاب شديد وبشيء من الفكاهة لأنه كان يعلم أنه يلامس الخطوط الحمراء المرسومة له! –
إذاً نحن شعوب مسلوبة الإرادة نخاف التعبير عن أنفسنا بسلام .. تحكمنا موروثات اجتماعية ثقيلة تحرمنا من حقنا في الأزرق!

لا أدري لماذا تلك الكلمات بالتحديد ظلت عالقة في ذاكرتي لليوم!
قد يكون ما تكلم عنه حينها ذلك المُحاضِر -الذي ما أزال أعجز عن تذكر اسمه- مجموعة ترهات لا صحة لها أو ربما العكس .. فأياً كان، المهم أن ما أعلمه بشدة أننا شعوب مقموعة مكبوتة مسلوبة الصوت نعاني من مشكلة في التعبير بأمان.

و نعشق الأزرق كثيراً.

قد يكون ما تكلم عنه حينها ذلك المُحاضِر -الذي ما أزال أعجز عن تذكر اسمه- مجموعة ترهات لا صحة لها أو ربما العكس .. فأياً كان، المهم أن ما أعلمه بشدة أننا شعوب مقموعة مكبوتة مسلوبة الصوت نعاني من مشكلة في التعبير بأمان. و نعشق الأزرق كثيراً.

بإمكانكم مشاركة المدونة عبر المنصات التالية:

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مدونات ذات صلة

بين لاكان ويونغ: هل نعرف أنفسنا حقّاً أم نتوهّمها؟

من منا لم يسمع بمقولة ديكارت الشهيرة "أنا أفكر إذاً أنا موجود" أي أن التفكير هو دليل الوجود. مفترضاً ذاتاً متطابقة مع نفسها. إلا أن جاك لاكان قدّم رأياً مغايراً، إذ يرى أن خطابنا عن أنفسنا لا يتطابق مع تجربتنا الفعلية. كما يظهر في العبارة التي تُنسب إليه وتختصر رؤيته ......

الدبور الذي سكن رأسي

أذكر، ذاك الدبيب في رأسي، يوم أيقظ فيّ الحياة. كنت أسأل، كيف للدود أن ينساب من بين الأقفال هكذا ويضيء الأبواب؟ كيف انسلَّ الطنين إلى لبّ الأشياء؟ بل، كيف صار لحناً وأنغاماً؟ ......

رأسي، قن الدبابير

كنت كلما تجاهلت دبيبه ارتفع ضجيجه، وكلما أخرسته وجدته يقفز من بين السراديب -حتى أني وللأمانة- اكتشفت متاهات عقلي بفضله! حاولت تنويمه بالغوص في غمرة الحياة من حولي لكنه أبى الرضوخ، بل تمادى وتكاثر فأصبح دماغي قناً لدبابيرٍ عششت بين ممراته وتلافيفه. لم يقف عند ذلك الحد، بل كاد يتجاوز ......

ذكرى مع الأزرق

نحن شعوب مسلوبة الإرادة نخاف التعبير عن أنفسنا بسلام .. تحكمنا موروثات اجتماعية ثقيلة تحرمنا من حقنا في الأزرق!

كنت في السادسة عشر من العمر، أخطو أولى خطواتي نحو النضوج. كانت أمي منشغلة كل الوقت بمراهقتنا أنا و أخي، كانت في بحث دائم عن نجوم تضيء فكرنا، تملأ روحنا بجمال الأكوان المنطوية فينا، كانت روحي تتبلور شيئاً فشيئا بين قاعات الفنون التشكيلية و الموسيقية .. بين دفاتر المذكرات و قاعات السينما .. مسرحيات كثيرة و محاضرات أكثر ، حتى إني أجزم بأن أمي قضت ثلثي وقتها تتنقل بنا بين تلك القاعات والصالات.
يومها اختارت لى محاضرة كانت في إحدى مدرجات المركز الثقافي العربي بعنوان “ألوان الحب السبعة”
عنوان قد يحيل نبضات قلب مراهقة لكثير من الفراشات الصغيرة الراقصة المتدفقة بين خلاياها! صارت تلك الفراشات تعزف في داخلي سنفونية وردية عن فارس الأحلام والحصان الأبيض والورود المتطايرة حولي، متلهفة لسماع ما قد يقال عن الحب. أما أمي فأظنها كانت مدركة أن تلك القاعة ستفتح في روحي بوابة لعالم أوسع من الخيالات الصغيرة البسيطة لمراهقة عن الحب.

ألوان الحب.. كانت ألوان الحب في الحقيقة طاقات روحية لكل منها هالة ولون، فنحن البشر مجبولين من مستويات مختلفة منه. كان الحب هو الوقود المحرك لنا، بذرة أولى نغرسها على باب كل خياراتنا وأفعالنا في الحياة من أصغر التفاصيل إلى أعقدها. حتى إن الحب نفسه كان له سبع مستويات و أشكال مختلفة.
– المحاضر: مين منكون بحب اللون الأزرق؟
واللون الأزرق هو لون الهالة المحيطة بمركز يوجد في الحلق ويسمى “شاكرا الحلق”. وشاكرا الحلق مسؤولة عن التعبير عن النفس، التعبير عن الرغبات و العواطف. هي قدرة التواصل السليم مع الذات والآخرين
كانت المفاجئة أن اللون الأزرق هو اللون المفضل لأكثر من نصف القاعة!
-المحاضر وهو يبتسم: “لا تتفاجئوا .. تمنيت شي يوم ما أن اسأل هالسؤال وما ينتصر الأزرق! ..
كنت أسألني لماذا قد يكون الأزرق الأكثر حبا من بين الألوان؟؟ لكن الإجابة جاءت سريعة..
لأننا شعوب ينقصها الأزرق بشدة. مجتمعات منطق القوة والسلطة فيها طغى على العاطفة وعلى التعبير والتفكير الحر والشفاف حتى إن حق التعبير هذا عن العواطف والرغبات أو محاولة التفكير خارج الصندوق، قد يندرج إما تحت بند العيب وقلة الحياء، مخالفة الأعراف والتقاليد. أو يصبح خطراً وخرقاً للقوانين يحاسب عليها كل من تجرأ أن يعلي صوته قليلاً بوجه أي مسؤول.
– طبعاً هنا تكلم باقتضاب شديد وبشيء من الفكاهة لأنه كان يعلم أنه يلامس الخطوط الحمراء المرسومة له! –
إذاً نحن شعوب مسلوبة الإرادة نخاف التعبير عن أنفسنا بسلام .. تحكمنا موروثات اجتماعية ثقيلة تحرمنا من حقنا في الأزرق!

لا أدري لماذا تلك الكلمات بالتحديد ظلت عالقة في ذاكرتي لليوم!
قد يكون ما تكلم عنه حينها ذلك المُحاضِر -الذي ما أزال أعجز عن تذكر اسمه- مجموعة ترهات لا صحة لها أو ربما العكس .. فأياً كان، المهم أن ما أعلمه بشدة أننا شعوب مقموعة مكبوتة مسلوبة الصوت نعاني من مشكلة في التعبير بأمان.

و نعشق الأزرق كثيراً.

قد يكون ما تكلم عنه حينها ذلك المُحاضِر -الذي ما أزال أعجز عن تذكر اسمه- مجموعة ترهات لا صحة لها أو ربما العكس .. فأياً كان، المهم أن ما أعلمه بشدة أننا شعوب مقموعة مكبوتة مسلوبة الصوت نعاني من مشكلة في التعبير بأمان. و نعشق الأزرق كثيراً.

بإمكانكم مشاركة المدونة عبر المنصات التالية:

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مدونات ذات صلة

بين لاكان ويونغ: هل نعرف أنفسنا حقّاً أم نتوهّمها؟

من منا لم يسمع بمقولة ديكارت الشهيرة "أنا أفكر إذاً أنا موجود" أي أن التفكير هو دليل الوجود. مفترضاً ذاتاً متطابقة مع نفسها. إلا أن جاك لاكان قدّم رأياً مغايراً، إذ يرى أن خطابنا عن أنفسنا لا يتطابق مع تجربتنا الفعلية. كما يظهر في العبارة التي تُنسب إليه وتختصر رؤيته ......

الدبور الذي سكن رأسي

أذكر، ذاك الدبيب في رأسي، يوم أيقظ فيّ الحياة. كنت أسأل، كيف للدود أن ينساب من بين الأقفال هكذا ويضيء الأبواب؟ كيف انسلَّ الطنين إلى لبّ الأشياء؟ بل، كيف صار لحناً وأنغاماً؟ ......

رأسي، قن الدبابير

كنت كلما تجاهلت دبيبه ارتفع ضجيجه، وكلما أخرسته وجدته يقفز من بين السراديب -حتى أني وللأمانة- اكتشفت متاهات عقلي بفضله! حاولت تنويمه بالغوص في غمرة الحياة من حولي لكنه أبى الرضوخ، بل تمادى وتكاثر فأصبح دماغي قناً لدبابيرٍ عششت بين ممراته وتلافيفه. لم يقف عند ذلك الحد، بل كاد يتجاوز ......