رأسي، قن الدبابير

من إحدى أسراري التي لم أبح بها لأحد، أن دبوراً قد سكن رأسي ذات مساءٍ بعيد.

حاولت كثيراً اقتلاعه عن عشه، قتله ومحو أثرِه. لكنه ظل يلدغ سبات الليل ويوقظ فيَّ الأرق كلما أجهدت النوم. حتى وصل بي الأمر، أني ذات ليلة كتبت له قصيدة، عله يغفو ويهدأ فيتركني بسلام .. لكن عبث.

كنت كلما تجاهلت دبيبه ارتفع ضجيجه، وكلما أخرسته وجدته يقفز من بين السراديب -حتى أني وللأمانة- اكتشفت متاهات عقلي بفضله!

 حاولت تنويمه بالغوص في غمرة الحياة من حولي لكنه أبى الرضوخ، بل تمادى وتكاثر فأصبح دماغي قناً لدبابيرٍ عششت بين ممراته وتلافيفه. لم يقف عند ذلك الحد، بل كاد يتجاوز حدوده داخل جدران عقلي. بات يطمح للقفز نحو الخارج!

 حاول مراراً استعارة صوتي واحتلال خطوط وجهي. كان يهتاج كثيراً كلما سمع النفاق بحوم في الأجواء. لم يطق الزيف والمعايير المزدوجة. كان يتألم للظلم ويشتعل غضباً أمام البشاعة المنتشرة في الأرجاء. حاول الصراخ في وجه العالم من خلالي، لكني أمسكت لساني وجمّدت التعابير على وجهي.

أجهدت نفسي على ترويضه وحبسه خلف قفص نسجه دماغي له. أنهكني وأتعبني، فلذتُ نحو الصمت.. فنجحت. وكلما نجحت أكثر في حصاره تعمّق صمتي وعَظُم اغترابي.

وذات يوم، لم أحتمل حروبه مع العالم ولا صراعاتي معه في محاولة إسكاته، فهربت نحو نفسي. اختبأت داخل صدري، تركت الدبيب ينهمر كسيل جارف.

رفعت القلم، ووجدتني أتنفس .. تنفست، نعم تنفست داخل المحبرة وبين رائحة الورق.

فاجأني الدبور يومها، اختفى دبيبه بل بات موسيقى تصدح في جلدي.

وهدأ أخيراً قن الدبابير ذاك. هدأ يوم اعترفت بحقيقتي، تلك الحقيقة التي حاولت جاهدة أن أمحوها، أن أذيبها وسط الحشود.

“أنا كائن يعيش داخل رأسه”.

“أنا كائن يعيش على الورق”.

 ومنذ ذلك اليوم، منذ أن خضت اعترافاتي وجدته يحتفي بتحولاتي،

يرسم لي عوالم بهية،

فضاءات شاسعة ومروجاً خضراء،

وأقماراً كثيرة

 تدور ..

تضيء ..

وتكبر.

بإمكانكم مشاركة المدونة عبر المنصات التالية:

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مدونات ذات صلة

بين لاكان ويونغ: هل نعرف أنفسنا حقّاً أم نتوهّمها؟

من منا لم يسمع بمقولة ديكارت الشهيرة "أنا أفكر إذاً أنا موجود" أي أن التفكير هو دليل الوجود. مفترضاً ذاتاً متطابقة مع نفسها. إلا أن جاك لاكان قدّم رأياً مغايراً، إذ يرى أن خطابنا عن أنفسنا لا يتطابق مع تجربتنا الفعلية. كما يظهر في العبارة التي تُنسب إليه وتختصر رؤيته ......

الدبور الذي سكن رأسي

أذكر، ذاك الدبيب في رأسي، يوم أيقظ فيّ الحياة. كنت أسأل، كيف للدود أن ينساب من بين الأقفال هكذا ويضيء الأبواب؟ كيف انسلَّ الطنين إلى لبّ الأشياء؟ بل، كيف صار لحناً وأنغاماً؟ ......

عند عتبة السماء

أرحْتُ رأسي عندَ عُنقِ السماءْ، أصغيْتُ لأنفاسِ المساءْ، بحثْتُ فيها عن عُودٍ ثقاب، عن فتيلٍ يُشعلُ جمرةَ فؤادي، ناري الحبيسةَ خلفَ جدرانِ الجليد. وجدْتُه، وجدْتُه يوقظُ ركودَ النظرةِ، ويفكّكُ حيرةَ الفكرةِ. وجدْتُه في سحابةٍ ملتهبةٍ، متوهّجةٍ بغضبٍ قديم، أحيَتْ غمامةَ فكري، ......

رأسي، قن الدبابير

من إحدى أسراري التي لم أبح بها لأحد، أن دبوراً قد سكن رأسي ذات مساءٍ بعيد.

حاولت كثيراً اقتلاعه عن عشه، قتله ومحو أثرِه. لكنه ظل يلدغ سبات الليل ويوقظ فيَّ الأرق كلما أجهدت النوم. حتى وصل بي الأمر، أني ذات ليلة كتبت له قصيدة، عله يغفو ويهدأ فيتركني بسلام .. لكن عبث.

كنت كلما تجاهلت دبيبه ارتفع ضجيجه، وكلما أخرسته وجدته يقفز من بين السراديب -حتى أني وللأمانة- اكتشفت متاهات عقلي بفضله!

 حاولت تنويمه بالغوص في غمرة الحياة من حولي لكنه أبى الرضوخ، بل تمادى وتكاثر فأصبح دماغي قناً لدبابيرٍ عششت بين ممراته وتلافيفه. لم يقف عند ذلك الحد، بل كاد يتجاوز حدوده داخل جدران عقلي. بات يطمح للقفز نحو الخارج!

 حاول مراراً استعارة صوتي واحتلال خطوط وجهي. كان يهتاج كثيراً كلما سمع النفاق بحوم في الأجواء. لم يطق الزيف والمعايير المزدوجة. كان يتألم للظلم ويشتعل غضباً أمام البشاعة المنتشرة في الأرجاء. حاول الصراخ في وجه العالم من خلالي، لكني أمسكت لساني وجمّدت التعابير على وجهي.

أجهدت نفسي على ترويضه وحبسه خلف قفص نسجه دماغي له. أنهكني وأتعبني، فلذتُ نحو الصمت.. فنجحت. وكلما نجحت أكثر في حصاره تعمّق صمتي وعَظُم اغترابي.

وذات يوم، لم أحتمل حروبه مع العالم ولا صراعاتي معه في محاولة إسكاته، فهربت نحو نفسي. اختبأت داخل صدري، تركت الدبيب ينهمر كسيل جارف.

رفعت القلم، ووجدتني أتنفس .. تنفست، نعم تنفست داخل المحبرة وبين رائحة الورق.

فاجأني الدبور يومها، اختفى دبيبه بل بات موسيقى تصدح في جلدي.

وهدأ أخيراً قن الدبابير ذاك. هدأ يوم اعترفت بحقيقتي، تلك الحقيقة التي حاولت جاهدة أن أمحوها، أن أذيبها وسط الحشود.

“أنا كائن يعيش داخل رأسه”.

“أنا كائن يعيش على الورق”.

 ومنذ ذلك اليوم، منذ أن خضت اعترافاتي وجدته يحتفي بتحولاتي،

يرسم لي عوالم بهية،

فضاءات شاسعة ومروجاً خضراء،

وأقماراً كثيرة

 تدور ..

تضيء ..

وتكبر.

بإمكانكم مشاركة المدونة عبر المنصات التالية:

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مدونات ذات صلة

بين لاكان ويونغ: هل نعرف أنفسنا حقّاً أم نتوهّمها؟

من منا لم يسمع بمقولة ديكارت الشهيرة "أنا أفكر إذاً أنا موجود" أي أن التفكير هو دليل الوجود. مفترضاً ذاتاً متطابقة مع نفسها. إلا أن جاك لاكان قدّم رأياً مغايراً، إذ يرى أن خطابنا عن أنفسنا لا يتطابق مع تجربتنا الفعلية. كما يظهر في العبارة التي تُنسب إليه وتختصر رؤيته ......

الدبور الذي سكن رأسي

أذكر، ذاك الدبيب في رأسي، يوم أيقظ فيّ الحياة. كنت أسأل، كيف للدود أن ينساب من بين الأقفال هكذا ويضيء الأبواب؟ كيف انسلَّ الطنين إلى لبّ الأشياء؟ بل، كيف صار لحناً وأنغاماً؟ ......

عند عتبة السماء

أرحْتُ رأسي عندَ عُنقِ السماءْ، أصغيْتُ لأنفاسِ المساءْ، بحثْتُ فيها عن عُودٍ ثقاب، عن فتيلٍ يُشعلُ جمرةَ فؤادي، ناري الحبيسةَ خلفَ جدرانِ الجليد. وجدْتُه، وجدْتُه يوقظُ ركودَ النظرةِ، ويفكّكُ حيرةَ الفكرةِ. وجدْتُه في سحابةٍ ملتهبةٍ، متوهّجةٍ بغضبٍ قديم، أحيَتْ غمامةَ فكري، ......